أحمد بن محمد ابن عربشاه
345
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وصبوحك ، فإنك أحييت الأرواح والأبدان ؛ بطيب النغم والصياح في الآذان ، فإن لي زمانا لم أسمع بمثل هذا الصوت ، وقاك الله نوائب الفوت ومصائب الموت ، وقد جئت لأسلم عليك وأذكرك ما أسدى من النعم إليك ، وأبشرك ببشارة وهي أربح تجارة وأنجح من الولاية والإمارة ، لم يتفق مثلها في سالف الدهر ولا يقع نظيرها إلى آخر العصر ، وهي أن السلطان أيد الله بدولته أركان الإيمان ، أمر مناديا فنادى بالأمان والاطمئنان ، وإجراء مياه العدل والإحسان ، من حدائق الصحبة والصداقة في كل بستان ، وأن تشمل الصداقة كل حيوان من الطير والوحش والحيتان ، ولا يقتصر فيها على جنس الإنسان ، فيشارك فيها الوحوش والسباع ، والبهائم والضباع ، والأروى « 1 » والنعام ، والصقر والحمام ، والضّبّ والنون « 2 » وأبو قلمون ، ويتعاملون بالعدل والإنصاف والإسعاف دون ، ولا يجرى بينهم إلا المصادقة وحسن المعاشرة والمرافقة ؛ فتمحى من لوح صدورهم نقوش العداوة والمنافقة فيطير القطا مع العقاب ، ويبيت العصفور مع الغراب ، ويرعى الذئب مع الأرنب ، ويتآخى الديك والثعلب ، وفي الجملة : لا يتعدى أحد على أحد فتأمن الفارة من الهرة ، والخروف من الأسد ، وإذا كان الأمر كذا فقد ارتفع الشر والأذى ، فلا بد أن يمتثل هذا المرسوم ، ويترك ما بيننا من العداوة والخلق المذموم ، ويجرى بيننا بعد اليوم المصادقة ، وتنفتح أبواب المحبة والمرافقة ، ولا ينفر أحد منا من صاحبه بل يراعى مودته ويبالغ في حفظ جانبه . وجعل الثعلب يقرر هذا المقال ، والديك يتلفت إلى اليمين والشمال ، ويحتاط غاية الاحتياط ، ولا يلتفت إلى هذا الهذيان والخياط ، فقال الثعلب : يا أخي ، مالك عن سماع كلامي مرتخى ، أنا أبشرك ببشائر عظيمة لم تتفق في
--> ( 1 ) الضأن التي تعيش في الجبال . ( 2 ) الحوت .